الرئيسية / مقالات / من لفّ الحبل حول رقاب المراهقين؟
ياسين خطاب
ياسين خطاب

من لفّ الحبل حول رقاب المراهقين؟

نحو 11 حالة انتحار كان حبلُ المشنقة سيّد الموقف في ستٍّ منها، فغدروا أرواحهم على حين غفلةٍ من محبيها دون إذن مغادرة، في حين لفظ فمُ الموت نحو 5 أشخاص في يومٍ واحد عندما حاولوا الهروب من الحياة، لكن القدر كان أكثر رأفة بهم وبأهلهم من أنفسهم.

كلّ هذا جرى في أقلّ من شهر واحد بمدينة “البيضاء” القابعة شرق ليبيا، لتعيش المدينةُ على وقعِ الحادثة وارتدادتها لمغادرين كان جلّهم من يافعين لم يتخطّوا سن المراهقة التي تكشف دراسات عدّة أنها الفئة العمريّة الأكثر تفكيرا في الانتحار ؛ بفعل اضطرابات نفسية تفوق مستويات شعورهم أو مشكلات اجتماعية تتجاوز إطار إدراكهم وتصوراتهم، وفي أحيان أخرى قد يرجع ذلك إلى أسباب تتعلّق بحالات نفسية مرضية أو إدمان أدوية مخدّرة.

بطبيعة الحال ليست تلك كلّ الأسباب ولا جُلّها، فتفسير تفشّي ظاهرة الانتحار أمرٌ ليس باليسير على غير متخصص مثلي، بل قد يحتاج جيشا جرّارا من أطباء النفس وأساتذة علم الاجتماع لوضع الحدث في سياقه وإعطاءه قيمته العلمية بصورة أكثر إحكاما وتماسُكًا..

غير أنّ مايبعث على الدّهشة هنا هو عبث الجرأة على العلم والدّين في آن معًا حتّى وصل بعضهم بخياله شأوًا بعيدًا حين زعم قائلهم إن أمر الانتحار جدُّ بسيط ولايحتاج إلى بحث ولا إلى دراسة، فمن علّق أبناء المدينة على أعواد المشانق هو من فصيلة الجان واختار له صاحبنا اسم “شمروخ” كي يعزّز صدق ادّعائه بشيء من التفصيل، بيد أن الأمر لم ينته عند هذا الحدّ بل توسّع الإدّعاء على لسان أحدهم عندما قال إن قبيلة من الجان تهاجم المدينة في غزوةٍ لقتل أكبر عدد ممكن، ويجري استدعاء كل أولائك بواسطة لعبة للأطفال اسمها “شارلي”.

مشهدٌ ضاعف حجم الحزن، وزاد هول المأساة، فالشيطان الذي لايفتح غُلقا، ولايكشفُ إناءً وفق قول المصطفى صلى الله عليه وسلّم، بات عند هؤلاء متحكّما في مصائر النّاس وأعمارهم، والوعي الجمعيّ الذي كثّف أسئلته باحثا عن المعرفة بات مشحونا بسرديات تملأه بوابلٍ من الخوف والتّكهن.

لم يكلّف أصحاب الحلول المعلّبة أنفسهم عناء البحث والمطالعة عن ظاهرة لا تحدُث لأوّل مرّة في العالم ليعرفوا أن الانتحار مُعدٍ بطبعه، خصوصا بين المراهقين الذين قد يجدونه مساحة صراخهم الأخير ووسيلة احتجاجهم على العالم من حولهم، ليذهبوا بذلك في طريق خطّه الفيلسوف هيردوت حينما زعم أن الموت هو ملاذٌ يسعى المرء إليه عندما تكون الحياة مضنية، ولعلّ هذا ما تؤكّده دراسة نشرتها مجلة Canadian Medical Association Journal الكندية عام 2013 التي أشارت إلى أنّ (المراهقين يفكّرون بالانتحار خمس مرات أكثر إذا ما أقدم شخصٌ من دائرة معارفهم على الانتحار).

نتجاهل أو نخجلُ أحيانا من طرق أبواب اليقين لدى أولائك الراحلين، فلعلّ بعضهم لم يستطع أن يقف في وجه قلق وجودي هزّ عقله وزعزع كيان أفكاره.

فالانتحار شأنه شأن أي ظاهرة إنسانيّة قد تتعدّد أسبابها وتتشابه نتائجها، وأبناء اليوم لديهم أسئلتهم التي صنعها عالمٌ يقوده فضاء مفتوح يعبُر الحدود، ويتجاوز الديانات والأفكار، والعابرون وإن فاضت أرواحهم ومضوا بأسرارهم فإنهم قد تركوا وراءهم أسئلة أطولُ منهم عمرا تتطلّب الإجابة عبر مزيد بحث وإعمال عقل، فلم يعد بالإمكان الإجابة عن أسئلة اليوم من جراب الأمس عبر تقديم قوالبه المعدّة مسبقًا، فلا أحد يجهل أنّ للزمان أثره وللمكان طبيعته ولإنسان اليوم شخصيته ومزاجه.

الأمر لايستدعي أن نحيل أي تفسير برمّته إلى الفلسفة أو علم الاجتماع، ونترك الدّين دائمًا في خانة التّاريخ، فلا شي يجيبُ عن أسئلة الوجود كالدين، لكنّ ماهو مطلوب ومُلحّ أن ندرك مساحات العلم والدّين ونخلّصهما من أي اشتباك قد يحصل في التصوّرات كي لانصل في النهاية إلى نماذج مشوّهة غير قادرة على التفسير ولا على التنبّؤ.

بقلم: ياسين خطاب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *